المستجدات في الموقع



لا يخفى على أحد ذلك التطاحن المُفتعل الذي تعيشه منصاتنا الإلكترونية، حيث تحوّلت المسائل الفرعية - التي ظلّت مدار اختلاف بين علماء الأمة قرونًا طويلة دون أن تمزق وحدتها - إلى ساحات للصراع والتشنّج. لقد تعايشت المذاهب والمدارس الفقهية تحت مظلة الإسلام، واحترم كلٌّ رأيَ الآخر، لأن الجميع كان يدرك أن الاختلاف في الفروع لا يُنقض الأصول، وأن الأخوّة الإيمانية أكبر من أي خلاف. لكن اليوم، نرى شيئًا آخر: خطابًا متشنّجًا يُحوّل الاجتهادات إلى "كفر"، والتفاصيل إلى "معارك وجودية"، وكأننا أمام دين جديد لم يعرفه الصحابة ولا الأئمة!  


لمن يعمل مهرجو "الفرقة"؟

الأمر لا يخلو من لعبة مكشوفة. فالأعداء يدركون جيدًا أن قوة المسلمين تكمن في وحدتهم، وأنه ما إن يتفرقوا حتى يُصبحوا فريسة سهلة. فجعلوا من الخلافات التاريخية سلاحًا يُشعل النار بين أبناء الدين الواحد، بينما هم يضحكون من خلف الشاشات! لقد حوّلوا الفقه إلى "حرب هويات"، والعقيدة إلى "انتماءات طائفية"، حتى صار الشباب يتقاتلون على مسائل كان السلف يتجادلون فيها باحترام، ثم يتبسمون بعدها كإخوة.  


الغريب أننا نلهث وراء هذه المعارك الوهمية، بينما تُترك الجبهات الحقيقية التي تستهدف وجودنا: الاحتلال، التغريب، الفقر، التخلّف العلمي. نسينا أن العدو الحقيقي لا ينتظر إلا أن ننشغل بتمزيق بعضنا، ليقضم ما تبقى منا قطعةً قطعة.  


الجهل.. وقود المعركة المزعومة

بعضهم يُغذّي هذه الفرقة عن جهل، ظنًّا منه أنه "يُصلح"، وبعضهم الآخر يفعلها بسوء نية، لخدمة أجندات خارجية أو مكاسب شخصية. لكن النتيجة واحدة: أمّة ممزقة، تُحارب نفسها بدل أعدائها. والأخطر أن هذا الصراع يُفقِد الإسلام روحه الجامعة، ويُحوّله من رسالة عالمية تحمل الخير للبشرية إلى "نوادي مغلقة" يتهم أعضاؤها بعضهم بالضلال!  


أين نحن من قول الله: **{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}**؟ وأين نحن من وصية النبي ﷺ: **"لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"**؟ لو كان الخلاف في الفروع مذمومًا، لما تنوعت اجتهادات الصحابة والفقهاء، ولما قال الإمام الشافعي: *"رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"*.  


كيف نعود إلى الأصل؟ 

1. **التذكير بالثوابت**: لا نجتمع إلا على ما أجمع عليه السلف: القرآن، السنة، والأركان الظاهرة. أما ما سوى ذلك، فاختلافه لا يفسد للودّ قضية.  

2. **ضبط الخطاب الديني**: كفى بتكفير المخالف! فمن قال "لا إله إلا الله" فهو أخٌ في الدين، وإن اختلفنا معه في التفاصيل.  

3. **كشف الأجندات المشبوهة**: مقاومة من يُحاولون تحويل الاختلاف إلى عداوة، سواءً كانوا جهلةً أو عملاء.  

4. **التركيز على قضايا الأمة المصيرية**: لنوحد الجهود ضد التحديات الحقيقية بدل إضاعة الوقت في معارك جانبية.  


لنكن صرحاء: هذه الفرقة ليست "غيرة على الدين"، بل هي هروب من مواجهة أعدائه الحقيقيين. فهل نعود إلى رشدنا قبل أن يُكتب على أمتنا ما كُتب على من سبقها؟!

تعليقات